منظاري و الرياح

من نافذة غرفتي الصغيرة المحاطة بحديدٍ صدأ نظرت إلى الأشجار المتداخلة ، ولم أجد تفسيراً لغموض هذا التداخل ، فتنهدت بتجهم ، وأشحت بنظري إلى السماء علِّي أجد ما يسر النظر .. لكن كان ما وجدت غيوماً متكتلة ، فنظرت إلى الأسفل ربما أجد ما يستحق التأمل .. لكن للأسف وجدت سياراتٍ تلوث هدوء الطبيعة… بعد هذا أقفلت النافذة بأطراف أصابعي خوفا من أن تتلوث يدي ؛ فقد كانت نافذتي القديمة قذرة ، وتوجهت إلى مكتبي ، ونظرت إلى الزهرة التي انحنت استسلاماً للزمن ، فتذكرت الأشجار المتداخلة ، وسحبت من درج مكتبي منظاراً عتيقاً ، وفتحت النافذة ، فهبت رياحُ باردة أرعشت جسدي، ثم نظرت من خلال المنظار إلى الأشجار ، ولفت انتباهي جسمٌ أبيض لم أستطع معرفة حقيقته ؛ فقد كانت الرياح تثير أوراق الشجر أمامه ، ورغم هذا دققت عليه إلى أن تيقنت أنها فتاة ذات شعرٍ طويلٍ منسدل تمد يدها إلي تريد مني أن أذهب إليها ، إلا أنني لم أجرؤ ؛ فقد كانت ذات ملامح رجولية حادة قاسية ، ولكني كابدت هذا الشعور بالخوف ، ومددت يدي إليها ، و لم تكن إلا ثوانٍ حتى كنت واقفة أمامها مرتعشة خائفة ، فقطبت حاجبيها بتساؤل ، فقلت بتوتر:”من .. أقصد ماذا تريدين؟” ، هنا لانت ملامحها ، وأصدرت صوتاً كفحيح الأفعى ، ومدت يدها إلى قلبي ، وقالت:”أنقذيني”أبعدت يدها ، وقلت:من أنتِ؟أجابت:أنا الإنسان ، أنقذيني من الإنسان.

لم أفهم أيةَ كلمة ، فقلت:أنتِ خيال ، لا مكان لك على أرض الواقع.

عادت ملامحها القاسية ، وقالت بغضب:”انظري إلى حال الأرض ، إلى البشر ، إلى المظلوم ، من فعل هذا؟ ،أنتم فلتم هذا”

قلت برجاء:أرجوكِ ، أنا لا أفهم شيئاً.

أصرت بأسنانها ، وقالت بهدوءٍ عاصف:تعبت من العيش في المدينة ، ومزاحمة الناس ، فاتجهت إلى المراعي الخضراء طلباً للهدوء والراحة ، لكن لم تكن إلا شهور حتى أصبحت المراعي منتجعاً للسيَّاح ، فتوجهت إلى الغابة ، ورغم كثرة الوحوش هناك ، إلا أنني ارتحت…

قاطعتها قائلة:وجدت الراحة هناك والحمد لله ،لكن لمَ عدت الآن؟

دون إجابة أكملت:وتصادقت مع بعض الحيوانات ، ومرةً بينما كنت أصطاد وجدت مخيماً عسكرياً ، والجنود يتدربون على الرماية والقنص عن طريق التصويب على الأشجار ، فيأست ، وأتيت إلى هنا علِّي أجد من يشعر بي.

سألتها:ولمَ أنا؟

لم تجبني ، بل أشارت إلى السماء و اختفت ، فنظرت إلى السماء حيث أشارت ، ووجدت غيمةً متشكلة على:

(إلى أين أبحرتِ بخيالك؟)

خيالي!! ، أي خيال؟ ، ثم عضضت يدي ، واكتشفت أن الجسم الأبيض الذي رأيته كان مجرد حمامة بيضاء ، وأن كل ما سبق كان مجرد خيال يطابق شخصاً ما ، ربما أنا ، ربما أنت.

الصمت الثرثار

مشيت بين الأزقة المظلمة،فوجدت جماعةً من الوحوش تضرب طفلاً فصحت علَّ أحدهم يسمعني،وينجد هذا الطفل البريء إلا أن أحداً لم يسمع..فخرجت يائسة من الزقاق المظلم…

بعدما رأيت ما رأيت من الوحشية بتُّ أكره الأزقة ولا أدخلها،ولجئت إلى المشي بين الناس والكائنات الحية المرئية،وفي يومٍ من الأيام المشمسة الجميلة رأيت شاباً بانت على وجهه علاماتٌ تدل على أخلاقه النتنة، ومبادءه المنحطة يكسر زجاج أحد المحالِّ التجارية أمام مرأى من عيني وأعين الناس،فخرج صاحب المحل غاضباً مزمجراً:”من السفيه الذي فعلها؟”،فصرخ الشاب:”ذاك الطفل المتمرد”..وأمسك صاحب المحل الطفل، وظل يضربه بلا رحمة، فصحت أخبرهم بالحقيقة إلا أن أحداً لم يسمعني،ومنذ ذلك اليوم آثرت الصمت على الكلام،والتبلد على الإنسانية، والتزمت الصمت المطبق،أو – بالأصح – الثرثار..

كنت أرى الظلم،فأثرثر بصمت،وأشعر بتبلد وتحجر…

كانت عيني براقةً،مليئةً بالكلام؛فأنا صامتةٌ ثرثارة…

وإلى هذا اليوم،وأنا صامتة،ويطلب مني الجميع أن أتحدث لكني لا أفعل،ولا أنبس ببنت شفه؛لأنهم صنجٌ حمقى لا يسمعون شيئاً…

إنني أثرثر بصمت،وسأظل هكذا إلى أبد الآبدين…

إن سيد الصمت سكن قلبي وروحي،فأحبني وأحببته،ومن حبي له بتَُ مثله صامتة،ومن حبه لي أصبح ثرثاراً،فأمسيت الصامتة الثرثارة…